رجلُ الأقدار (٣) من مدرسةِ المشاةِ إلى كليةِ كامبرلي

بقلم لواء دكتور/ سمير فرج
متابعة / عادل شلبي
واصلتُ في هذا المكانِ منذ أسابيعَ استعراضَ كتابِ “رجلُ الأقدار” الصادرِ عن الهيئةِ الوطنيةِ للصحافة، وهو كتابٌ يوثقُ مسيرةَ الرئيسِ عبدِ الفتاحِ السيسي في أهمِ اللحظاتِ الفارقةِ في تاريخِ مصر.
وقد توقفتُ في المقالِ السابقِ عند عودتِه من البعثةِ في الولاياتِ المتحدةِ برتبةِ ملازمٍ أول، ليعملَ مدرساً في معهدِ المشاةِ يدرِّسُ العقيدةَ العسكريةَ الغربية.
أولاً : التفوقُ في كليةِ القادةِ والأركان
أعلنتِ القواتُ المسلحةُ عن مسابقةِ الالتحاقِ بدورةِ كليةِ القادةِ والأركان، وهي من أعرقِ الدوراتِ التي يتنافسُ عليها المئاتُ من رتبِ النقيبِ والرائدِ والمقدم. ويتقدمُ كلَ عامٍ ما يقاربُ ألفَ ضابطٍ يخضعونَ لامتحاناتٍ في التكتيكِ والإدارةِ والتنظيمِ واستخدامِ العدوِّ واللغةِ الإنجليزية.
تقدمَ لها النقيبُ عبدُ الفتاحِ السيسي، فنجحَ بتفوقٍ لافتٍ وحصلَ على الترتيبِ الأولِ على ضباطِ المشاة بتقديرِ امتياز.
وخلالَ دراستِه رُقِّيَ إلى رتبةِ رائدٍ في يوليو ١٩٨٧، وتخرجَ في ديسمبرَ من العامِ نفسِه.
ثانيا : اختبارُ الميدانِ في السلوم
في ينايرَ ١٩٨٨ عُيِّنَ رئيساً لعملياتِ اللواءِ ٣٠ مشاةٍ ميكانيكيٍ التابعِ للفرقةِ ٣٣، والمتمركزِ في السلومِ على الحدودِ الغربيةِ مع ليبيا.
وهي أولُ وظيفةٍ يتولاها خريجو كليةِ القادةِ والأركان، لما فيها من اختبارٍ حقيٍ للقدرات.
فصارَ مسؤولاً عن خطةِ تدريبِ لواءٍ كاملٍ يضمُ ما بين ٤٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ مقاتلٍ من المشاةِ والمدفعيةِ والمدرعاتِ والدفاعِ الجويِّ والحربِ الإلكترونيةِ وغيرِها.
كما صارَ مسؤولاً عن خططِ العملياتِ في تلكَ المنطقةِ في حالِ التحولِ إلى الحرب.
وقد أدى المهمةَ بكفاءةٍ عاليةٍ لمدةِ سنتينِ وحصلَ على تقديرٍ سريٍّ “امتياز”. وتعرفَ خلالَها على طبيعةِ الأرضِ في الاتجاهِ الاستراتيجيِّ الغربي، فصارَ متمرساً بأيِّ أعمالٍ قتاليةٍ محتملة.
ثالثاً : بعثةُ كامبرلي … الجمعُ بين المدرستين
أعلنت هيئةُ التدريبِ عن بعثةٍ إلى كليةِ كامبرلي الملكية في إنجلترا، التي أُسست عامَ ١٨٥٨، وتخرجَ فيها كبارُ القادةِ مثل مونتجمري ورابين وشارون.
تقدمَ للمسابقةِ ٢٥ ضابطاً من خريجي كليةِ القادةِ والأركان، وجاءَ الرائدُ أركانُ حربٍ عبدُ الفتاحِ السيسي في المركزِ الأول ، فسافرَ في ديسمبرَ ١٩٩٠ ليدرسَ عاماً كاملاً وعادَ حاصلاً على شهادةِ Passed Staff College.
وكانت هذه نقلةً نوعية. فقد درسَ من قبلُ الفكرَ العسكريَّ الشرقيَّ السوفيتيَّ في مصر، ودرسَ الفكرَ الأمريكيَّ في دورةِ المشاةِ بالولاياتِ المتحدة، وهنا درسَ الفكرَ الغربيَّ لحلفِ الناتو.
فأصبحَ من الضباطِ القلائلِ الذين جمعوا بين العقيدتينِ الشرقيةِ والغربيةِ على مستوى الاحتراف.
ولذلكَ كانَ يشرحُ لزملائِه في التمارينِ كيفَ يفكرُ العدوُ الإسرائيليُّ لأنه يتبعُ المدرسةَ الغربية. ويقولُ عنه زميلُه الكوريُ اللواءُ “كانج” إنه كان “شعلةَ نشاطٍ” ومحبوباً من الجميع، وأنه ألقى محاضراتٍ عن حربِ أكتوبرَ في معظمِ المدارسِ العسكريةِ البريطانية.
رابعاً : العودةُ ناقلاً للخبرة
عادَ إلى مصرَ في منتصفِ عامِ ١٩٩٢ وعُيِّنَ مدرساً بمعهدِ المشاة. فنقلَ إلى الضباطِ الفكرَ العسكريَّ الغربيَّ بعدَ أن نقلَ إليهم من قبلُ الفكرَ الأمريكي.
وهكذا صنعتِ الأقدارُ والاجتهادُ ضابطاً نادراً، جمعَ بين ثلاثِ مدارس: الشرقيةِ في مصر، والأمريكيةِ في أمريكا، والغربيةِ في إنجلترا. وهو أمرٌ لم يكن متاحاً لضابطٍ مصريٍّ في ذلكَ التوقيتِ من حيثُ الرتبةُ والسن.
وهذا ما مهَّدَ له طريقاً جديداً داخلَ القواتِ المسلحة، وهو ما سنستعرضُه في المقالِ القادمِ إن شاءَ الله.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.












